بنو إسرائيل من يوسف إلى موسى
عاش "بنو إسرائيل" في مصر مدة طويلة إلا اننا لا نكاد نجد في كتابات التاريخ ونقوش المصريين القدماء أي تفاصيل أو ذكر لتلك الحقبة. متى أتوا؟ ومتى غادروا؟... معظم ما نعرفه عن حياتهم في مصر مأخوذ من آيات القرآن الكريم وروايته لقصة "موسى" - عليه السلام - مع فرعون.
جاء "بنو إسرائيل" إلى مصر مع "يوسف" - عليه السلام - بدعوة من ملك مصر حينها، وخرجوا منها مع "موسى" - عليه السلام - هربا من فرعون وبطشه، وبين الحدثين ما يقرب من ٣٠٠ سنة. خلال تلك المدة تغيرت حياة "بني إسرائيل" في مصر وتبدلت من اليسر للعسر ومن العز إلى الذل ومن الشرف والسيادة إلى العبودية والهوان.
قدماء المصريين هم كُتَّاب التاريخ، وعلى جدران معابدهم سُجلت الأحداث من معارك وانتصارات ومعاهدات وبناء وتشييد وغيرها الكثير. إلا أن المصريين لم يتركوا لنا أي شيء تقريبا عن تلك الفترة التي تواجد فيها "بنو إسرائيل" معهم. فلا نكاد نرى أرى كتابات أو نقوش تشرح لنا كيف عاش "بنو إسرائيل" وكيف كانت علاقتهم بالمصريين. وغياب هذه التسجيلات التاريخية عن فترة طويلة ومهمة من عُمر هذا البلد فإنما يدل على أن المصريين القدماء لم يكونوا يحبون "بني إسرائيل" وتعاملوا معهم بكره واحتقار دفعهم لتجاهل ذكرهم في جميع كتاباتهم.
المصريون القدماء لم يحبوا "بني إسرائيل" فتجاهلوا ذكرهم في كتاباتهم.
حاول الكثير من المؤرخين ملئ هذا الفراغ في التاريخ والإجابة عن بعض الأسئلة التي تدور في أذهان الكثير، مثل، في أي حقبة جاء "يوسف" - عليه السلام - إلى مصر؟ ومن هو فرعون "موسى" - عليه السلام -؟ هل هو "رمسيس الثاني" كما يظن البعض؟ ... الحقيقة، لا يمكن لأحد أن يجزم بصة رواية عن أخرى، فالكل يحاول قراءة الأحداث ولملمة المعلومات من هنا وهناك وربط الوقائع ببعضها ثم محاولة ملئ الفراغات بعد ذلك للوصول لأكثر الروايات منطقية وأكثرها توفيرا للإجابات.
ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
تبدأ القصة عندما جمع ملك مصر مَن حوله من أتباع ومستشارين وأخبرهم بأمر رؤية عجيبة يراها في المنام. إنه يرى {سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ} وطلب الملك من الحضور تفسير تلك الرؤيا، لكن الحضور لم يكن منهم أحد يفقه في تفسير الرؤى، فقالوا إنها مجرد أحلام لا قيمة لها. لكن من بين الجمع كان يقف ساقي الملك والذي خرج من السجن من بضع سنين بعد أن تم اتهامه بمحاولة تسميم الملك، إلا أنه نجا وثبُتت براءته.
الأرجح، أن الملك الذي عاصر "يوسف" من الهكسوس.
في السجن تعرف على ذلك الشاب شديد الجمال "يوسف" والذي فسر له رؤيا رآها وبشره بالبراءة. أخبر الساقي الملك بأمر "يوسف" وذهب إليه وحكى له الرؤيا. ففسرها له "يوسف" - عليه السلام - بأن البلاد مُقدمة على سنوات عجاف يقل فيها الماء والزرع ويجب ان يستعدوا لتلك السنين بالزراعة والتخزين.
خرج "يوسف" - عليه السلام - بعدها من السجن ليصبح عزيز مصر ومالك خزائنها والمتصرف في اقتصادها. كما تم دعوة قومه للمجيء إلى مصر، فجاء أبوه "يعقوب" وأخوته وأهله كلهم إلى مصر، حيث الزرع والماء والنعيم الوفير بعد حياة البدو القاسية والشاقة.
متى جاء بنو إسرائيل؟
يعتقد البعض أن "يوسف" - عليه السلام - هو شخصية "يويا" المشهورة، والسبب في ذلك هو ملامح "يويا" الغير مصرية والتي هي أقرب للملامح الآسيوية. ولكن لنا هنا ملاحظة وهي أن الحكام في فترة حياة "يويا" في الأسرة ال١٨ كان يطلق عليهم لقب "بر عا" والتي يعتقد البعض أنها المقابل لكلمة "فرعون" بينما سمى القرآن الكريم الحاكم في عهد "يوسف" بالملك وهو ما يعني أن "يوسف" - عليه السلام - كان في فترة زمنية قبل "يويا".
مومياء "يويا"
أيضا، في بعض النصوص التوراتية ذُكر أن الملك كافأ "يوسف" - عليه السلام - بأن أهداه عجلة حربية. وكما نعلم جميعا، الهكسوس هم من أدخلوا الهجلات الحربية إلى مصر وكانت سر تفوقهم العسكري على جيش مصر.
مما سبق، فالراجح - في رأيي – أن تلك الأحداث وقعت في فترة الهكسوس وحكمهم لمصر في الأسرتين ١٥ و١٦. وأن الملك هنا هو أحد ملوك الهكسوس. أضف أيضا أن المصريين القدماء ما كانوا ليرفعوا "يوسف" - عليه السلام - لتلك المكانة العالية مهما كان فضله عليهم. فهو أجنبي غريب وليس بمصري وذلك كان من القوانين والمحاذير التي لم يخالفها المصريون القدماء أبدا. أما الهكسوس فهم في الأصل من البدو وجاءوا من جهة فلسطين حيث كان يعيش "يعقوب" - عليه السلام - وأبناءه. أي أن الهكسوس و"بني إسرائيل" تربطهم أصول مشتركة، لذلك رحب الهكسوس بقوم "يوسف" - عليه السلام - واستقبلوهم بحفاوة وأكرموهم.
غضب دفين
تبدلت حياة "بني إسرائيل" وصاروا أعزاء أشراف، وملكوا المال والأراضي والقصور. كيف لا، وهم أنسباء عزيز مصر الذي أنقذها من الهلاك؟ وظلوا كذلك لفترة من الزمن.
لكن كان هناك من يشاهد ذلك كله بعين الغضب والسخط. إنهم المصريون أنفسهم. نظر المصريون ل “بني إسرائيل" على أنهم لصوص منتفعين، ما جاءوا لمصر وما تمكنوا من ثرواتها إلا بسبب الهكسوس. وسخط المصريون على "بني إسرائيل" أكثر من سخطهم على الهكسوس أنفسهم. فالهكسوس على الأقل انتصروا في الحرب وكانت لهم الغلبة، أما "بنو إسرائيل" فجاءوا على أرض لم تكن لهم يوما، لينتفعوا من خيرها بلا جهد أو نَصَب.
نظر المصريون ل "بني إسرائيل" كمنتفعين تحت حماية الهكسوس.
ظل هذا الغضب والسخط حبيس الصدور لفترة طويلة جدا، ظل فيها المصريون يراقبون الهكسوس ومعهم "بنو إسرائيل" وهم ينعمون بخيرات بلادهم. حتى جاء "أحمس" وبدأ كفاحه لطرد الهكسوس.
تقلُب الأيام
انتصر "أحمس" على الهكسوس وعاد حكم مصر للمصريين، واسترد المصريون أرضهم وثرواتهم ممن أخذها منهم بعد احتلال دام قرابة ال١٠٨ سنوات. ووجد "بنو إسرائيل" أنفسهم وقد رفعت عنهم الحماية وضاع منهم الأمن والسلطان. فمن كانوا يحتمون تحت حكمهم قد ذهبوا لغير رجعة. فتبدل الحال.
لا أحد يعرف بالتحديد مصير الهكسوس. فالبعض يقول إنهم عادوا إلى البدو والصحاري من حيث أتوا ولم تقم لهم قائمة بعدها. ويرى البعض أن "أحمس" وجيشه قضوا على الهكسوس تماما ولم يبق منهم أحد كي يفر. في جميع الأحوال حبس المصريون "بني إسرائيل" فلم يقتلوهم وأيضا لم يسمحوا لهم بالهروب، واتخذوهم عبيدا.
عزيز قوم ذُل
بعد زوال الهكسوس، دمر المصريون جميع آثارهم وطمسوا معالمهم فلم يبق لنا من فترتهم إلا اليسير. وبالكاد عرفنا أسماء ملوكهم فقط. وصب المصريون جام غضبهم على "بني إسرائيل" وانتزعوا منهم كل ما كان في أيديهم من قصور وأراضٍ وأموال، بل وجعلوا منهم عبيدا لهم وأذاقوهم ألوان الذل والهوان.
بعد طرد الهكسوس، صار "بنو إسرائيل" عبيدا ومضطهدين في مصر.
ظل "بنو إسرائيل" على هذا الحال فترة طويلة من الزمان وتعاقبت الأجيال حتى نسوا تاريخهم وماضيهم القديم، ونسوا أيام الترف والعز واعتادوا حياة العبودية.
الرؤيا الثانية
إذا أردنا أن نصف حياة "بني إسرائيل" في مصر فستكون - في رأيي – حياة بين رؤيتين. فالرؤيا الأولى للملك أتت بهم من البدو والرؤيا الثانية لفرعون أعادتهم مرة أخرى. وبين الرؤيتين عاش "بنو إسرائيل" حياتين متناقضتين تماما.
رأى فرعون في منامه {نارا آتية من ناحية الشرق تحرقه} ففسرها له كُهانه أنه سيولد ل "بني إسرائيل" ولد يدمر ملكه. فأمر فرعون بقتل كل مواليد "بني إسرائيل" من الذكور. فلما أسرف في قتله، وجد أن أعداد العبيد في تناقص، فخفف حكمه ليكون القتل عام دون عام. وُلد "هارون" - عليه السلام - في عام العفو فنجا، أما أخوه "موسى" - عليه السلام - فكان له شأن آخر.
"فرعون" هو اسم عَلَم لشخص، ثم صار لقبا لمن حكم بعده.
من هو فرعون "موسى"؟ هل هو "رمسيس الثاني"؟ ... الحقيقة، لا أحد يعلم ولا يمكن لأحد الجزم بهوية هذا الطاغية الجبار على وجه اليقين. البعض يرى أن كلمة "فرعون" هي لقب لمن كان يحكم مصر، والبعض يرى أنها اسم عَلَم مثل "محمد" و"على" وهكذا ... أنا شخصيا أرى أنها الاثنين معا. فقد يكون "فرعون" هو اسم لأحد الحكام المصريين العظماء ذوو الإنجازات، ومن بعده صار اسمه لقب يتلقب به الحكام من بعده تيمنا وتباركا به. وهذا ليس بالأمر الغريب، فقد تكرر في كثير من الحضارات، مثل، لقب "قيصر" الذي كان أسما شخصيا لأحد أشهر أباطرة "روما" ثم صار الأباطرة من بعده يتلقبون به. وكذلك "كِسرى" عند الفرس و"النجاشي" عند الأحباش. فكلها أسماء أشخاص صارت فيما بعد ألقابا.
الخروج
جاء "موسى" - عليه السلام - ل "فرعون" بطلب واحد وهو أن يسمح ل "بني إسرائيل" بالخروج من مصر. لكن "فرعون" رفض الطلب وصار ما صار بينه وبين "موسى" - عليه السلام -، حتى استطاع "موسى" - عليه السلام - أن يعبر بقومه البحر ويغرق "فرعون" ومن معه لتنتهي بذلك رحلة "بني إسرائيل" العجيبة والمتقلبة في مصر.
عاد "بنو إسرائيل" مرة أخرى من حيث أتوا. خرجوا مع نبي كما جاءوا مع نبي، وبين النبيين ٣٠٠ عام. خرجوا لرؤيا كما جاءوا لرؤيا، وبين الرؤيتين ٣٠٠ عام. جاءوا بدعوة من ملك وخرجوا مطاردين من ملك، وبين الملكين ٣٠٠ عام.
لا تنس أن تشاركنا رأيك بالتعليق والإعجاب . وأيضا، إعادة نشر المقال مع أصدقائك
Share
ما هو رد فعلك؟
إعجاب
2
لم يعجبنى
0
أحببته
1
مضحك
0
غاضب
0
حزين
0
نجاح باهر
0